الشنقيطي
237
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بعض الناس على بعض في الرزق ، ومن ذلك تفضيله المالكين على المملوكين في الرزق ، وأن المالكين لا يرضون لأنفسهم أن يكون المملوكون شركاءهم فيما رزقهم اللّه من الأموال والنساء وجميع نعم اللّه . ومع هذا يجعلون الأصنام شركاء للّه في حقه على خلقه ، الذي هو إخلاص العبادة له وحده ، أي إذا كنتم لا ترضون بإشراك عبيدكم معكم في أموالكم ونسائكم - فكيف تشركون عبيدي معي في سلطاني ! . ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [ الروم : 28 ] الآية . ويؤيده أن « ما » في قوله فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ نافية . أي ليسوا برادي رزقهم عليهم حتى يسووهم مع أنفسهم اه . فإذا كانوا يكرهون هذا لأنفسهم - فكيف يشركون الأوثان مع اللّه في عبادته ! مع اعترافهم بأنها ملكه ، كما كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . وهذه الآية الكريمة نص صريح في إبطال مذهب الاشتراكية القائل : بأنه لا يكون أحد أفضل من أحد من الرزق ، وللّه في تفضيل بعضهم على بعض في الرزق حكمة ؛ قال تعالى : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [ الزخرف : 32 ] الآية ، وقال : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [ الرعد : 26 ] ، وقال : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [ البقرة : 236 ] إلى غير ذلك من الآيات . وفي معنى هذه الآية الكريمة قولان آخران : أحدهما - أن معناها أنه جعلكم متفاوتين في الرزق ؛ فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهو بشر مثلكم وإخوانكم ؛ فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم ، حتى تساووا في الملبس والمطعم ؛ كما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : أنه أمر مالكي العبيد « أن يطعموهم مما يطعمون ، ويكسوهم مما يلبسون » « 1 » . وعلى هذا القول فقوله تعالى : فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لوم لهم ، وتقريع على ذلك . القول الثاني - أن معنى الآية - أنه جل وعلا هو رازق المالكين والمملوكين جميعا ؛ فهم في رزقه سواء ، فلا يحسبن المالكون أنهم يريدون على مماليكهم شيئا من الرزق ، فإنما ذلك رزق اللّه يجريه لهم على أيديهم . والقول الأول هو الأظهر وعليه جمهور العلماء ، ويدل له القرآن كما بينا . والعلم عند اللّه تعالى .
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي ذر الغفاري البخاري في العتق حديث 2545 ، وأخرجه عن أبي اليسر مسلم في الزهد والرقاق حديث 74 .